فخر الدين الرازي
479
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
والجواب : أن كلمة ( لو ) تفيد انتفاء الشيء لانتفاء غيره . فقوله : لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا يدل على أنه ما شاء ذلك القول ، وما قال . فثبت أن النضر بن الحرث أقر أنه ما أتى بالمعارضة ، وإنما أخبر أنه لو شاءها لأتى بها ، وهذا ضعيف . لأن المقصود إنما يحصل لو أتى بالمعارضة ، أما مجرد هذا القول فلا فائدة فيه . والشبهة الثانية : لهم قولهم : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ أي بنوع آخر من العذاب أشد من ذلك وأشق منه علينا . فإن قيل : هذا الكلام يوجب الإشكال من وجهين : الأول : أن قوله اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ حكاه اللَّه عن الكفار ، وكان هذا كلام الكفار وهو من جنس نظم القرآن فقد حصلت المعارضة في هذا القدر ، وأيضاً حكى عنهم أنهم قالوا في سورة بني إسرائيل : وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً [ الإسراء : 90 ] وذلك أيضاً كلام الكفار فقد حصل من كلامهم ما يشبه نظم القرآن ومعارضته ، وذلك يدل على حصول المعارضة . الثاني : أن كفار قريش كانوا معترفين بوجود الإله وقدرته وحكمته وكانوا قد سمعوا التهديد الكثير من محمد عليه الصلاة والسلام في نزول العذاب ، فلو كان نزول القرآن معجزاً لعرفوا كونه معجزاً لأنهم أرباب الفصاحة والبلاغة ، ولو عرفوا ذلك لكان أقل الأحوال أن يصيروا شاكين في نبوة محمد عليه الصلاة والسلام ، ولو كانوا كذلك لما أقدموا على قولهم : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ لأن المتوقف الشاك لا يتجاسر على مثل هذه المبالغة ، وحيث أتوا بهذه المبالغة ، علمنا أنه ما لاح لهم في القرآن وجه من الوجوه المعجزة . والجواب عن الأول : أن الإتيان بهذا القدر من الكلام لا يكفي في حصول المعارضة ، لأن هذا المقدار كلام قليل لا يظهر فيه وجوه الفصاحة والبلاغة ، وهذا الجواب لا يتمشى إلا إذا قلنا التحدي ما وقع بجميع السور ، وإنما وقع بالسورة الطويلة التي يظهر فيها قوة الكلام . والجواب عن الثاني : هب أنه لم يظهر لهم الوجه في كون القرآن معجز إلا أنه لما كان معجزاً في نفسه ، فسواء عرفوا ذلك الوجه أو لم يعرفوا فإنه لا يتفاوت الحال فيه . المسألة الثانية : قوله : اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ قال الزجاج : القراءة بنصب الْحَقَّ على خبر كانَ ودخلت هُوَ للفصل ولا موضع لها ، وهي بمنزلة « ما » المؤكدة ودخلت / ليعلم أن قوله : الْحَقَّ ليس بصفة لهذا وأنه خبر . قال : ويجوز هو الحق رفعاً ولا أعلم أحداً قرأ بها ولا خلاف بين النحويين في إجازتها ، ولكن القراءة سنة ، وروى صاحب « الكشاف » عن الأعمش أنه قرأ بها . واعلم أنه تعالى لما حكى هاتين الشبهتين لم يذكر الجواب عن الشبهة الأولى ، وهو قوله : لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا ولكنه ذكر الجواب عن الشبهة الثانية ، وهو قوله : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن تقرير وجه الجواب أن الكفار لما بالغوا وقالوا : اللهم إن كان محمد محقاً فأمطر علينا حجارة من السماء ، ذكر تعالى أن محمداً وإن كان محقاً في قوله إلا أنه مع ذلك لا يمطر الحجارة على أعدائه ، وعلى منكري نبوته ، لسببين : الأول : أن محمداً عليه الصلاة والسلام ما دام يكون حاضراً معهم ، فإنه